الغزالي

430

إحياء علوم الدين

بكثرته لا بنوعه ، فالصوم لتقليله . وتارك الاستكثار من الدواء خوفا من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيها ، والحرام سم مهلك للدين ، والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره وقصد الصوم تقليله . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « كم من صائم ليس له من صومه إلَّا الجوع والعطش » فقيل هو الذي يفطر على الحرام ، وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام ، وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام الخامس : أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه ، فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ من حلال ، وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره ، وربما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر . ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى ، لتقوى النفس على التقوى ، وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها ، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها . فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل ، وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم ، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه ، بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوى ، فيصفو عند ذلك قلبه ، ويستديم في كل ليلة قدرا من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده ، فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت وهو المراد بقوله تعالى : * ( إِنَّا أَنْزَلْناه في لَيْلَةِ الْقَدْرِ « 1 » ) * ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عنه محجوب ، ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يخل همته عن غير الله عز وجل ، وذلك هو الأمر كله ، ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام . وسيأتي له مزيد بيان في كتاب الأطعمة ، إن شاء الله عز وجل

--> « 1 » القدر : 1